ابن عجيبة

619

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : وَإِنَّ يُونُسَ بن متى ، اسم أبيه ، لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إلى أهل نينوى ، فكذّبوه ، فوعدهم بالعذاب ، فلما رأى أمارات العذاب هرب عنهم ، وهي معنى قوله : إِذْ أَبَقَ ؛ هرب . والإباق : الهرب إلى حيث لا يهتدى إليه الطلب ، فسمى هربه من قومه - بغير إذن ربه - إباقا ، مجازا . روى أنه لمّا فرّ عنهم ، وقف في مكان ينتظر نزول العذاب بهم ، وكان يحب ذلك ؛ لتكذيبهم إياه ، فلما رأوا مخايل العذاب تابوا وخرجوا إلى الصحراء ، يجأرون إلى اللّه تعالى ، فكشف عنهم ، فلما رأى يونس العذاب انكشف عنهم ، كره أن يرجع إليهم ، فركب البحر ، فأوى إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ : المملوء بالناس والمتاع ، فلما ركب معهم وقفت السفينة ، فقالوا : هاهنا عبد آبق من سيده . وفيما يزعم أهل البحر : أن السفينة إذا كان فيها آبق لم تجر ، فاقترعوا ، فخرجت القرعة على يونس ، فقال : أنا الآبق ، وزجّ بنفسه في البحر ، فذلك قوله : فَساهَمَ : فقارعهم مرة - أو ثلاثا - بالسهام ، فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ؛ المغلوبين بالقرعة . فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ ؛ فابتلعه وَهُوَ مُلِيمٌ ؛ داخل في الملامة ، أو : آت بما يلام عليه ، ولم يلم فإذا ليم كان مألوما . فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ؛ من الذاكرين كثيرا بالتسبيح ، أو : من القائلين : لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ « 1 » أو : من المصلين قبل ذلك ؛ قال ابن عباس رضي اللّه عنه : كل تسبيح في القرآن فهو صلاة . قال الحسن : ما كان له صلاة في بطن الحوت ، ولكنه قدّم عملا صالحا فنجّاه ، وإنّ العمل الصالح يرفع صاحبه ، إذا عثر وجد متكئا . ه « 2 » . أي : فلو لا طاعته قبل ذلك لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قيل : للبث حيّا إلى يوم البعث . وعن قتادة : لكان بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة . وقد لبث في بطنه ثلاثة أيام ، أو : سبعة أو : أربعين يوما . وعن الشعبي : التقمه ضحوة ، ولفظه عشية . قيل : أوحى اللّه تعالى إل الحوت : إني جعلت بطنك ليونس سجنا - وفي رواية : مسجدا - ولم أجعله لك طعاما « 3 » . ه . فَنَبَذْناهُ أي : أخرجناه بِالْعَراءِ ؛ بالمكان الخالي ، لا شجر فيه ولا نبات . أو : بالفضاء ، وَهُوَ سَقِيمٌ ؛ عليل مطبوخ ، مما ناله من بطن الحوت . قيل : إنه عاد بدنه كبدن الصبى حين يولد . وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً أي : أنبتناها فوقه ، مظلة له ، كما يطنّب البيت على الإنسان ، مِنْ يَقْطِينٍ ، الجمهور على أنه القرع ،

--> ( 1 ) الآية 87 من سورة الأنبياء . ( 2 ) انظر : تفسير البغوي ( 7 / 60 ) . ( 3 ) قال الحافظ ابن حجر : « لم أجده » . وذكره الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف ( 535 ) وعزاه لابن مردويه ، عن ابن مسعود ، في قصة يونس . وانظر الفتح السماوي ( 3 / 957 ) .